مدونة تهتم بحقوق ما تبقى من الإنسان .. تفتح آفاق الحوار مع الجميع .. معنية بشؤون التحرر والتحضر .. قد يفقد صاحبها أي شيء وكل شيء، إلا الأمل،إسكندراني .. مصري .. إنسان.
مصر: المجتمع المدني بين مطرقة القضاء وسندان التشريع
القاهرة
| إسماعيل الإسكندراني
قضت محكمة الجنايات بالقاهرة بمعاقبة 43 متهماً مصرياً
وعربياً وأجنبياً في القضية التي عرفت إعلامياً بقضية التمويل الأجنبي لمنظمات
المجتمع المدني. تراوحت الأحكام بين السجن لمدة خمس سنوات، والحبس سنتين، والحبس
سنة مع إيقاف التنفيذ. وكانت عقوبة السجن من نصيب المتغيبين عن حضور الجلسة وعددهم
27 متهماً (15 أمريكياً، ونرويجيان، وثلاثة صربيين، وأردني، وفلسطينية، ولبنانيان،
وأردني، ومصري، وألماني). أما عقوبة السنتين فصدرت ضد خمسة متهمين منهم أمريكي
وألماني. وتم إيقاف تنفيذ العقوبة الأخيرة بالحبس لمدة سنة في حق المتهمين
المصريين الأحد عشر الآخرين.
كانت القضية قد تم تحريكها بإيعاز من فايزة أبو النجا،
وزيرة التعاون الدولي السابقة إبّان حكم المجلس العسكري. وقد شهدت فضيحة مدوية
خلال مداولاتها، حيث نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن أوباما قد لجأ إلى إسرائيل
للوساطة من أجل الإفراج عن الأمريكيين المتهمين في القضية. وبحسب الصحيفة
الإسرائيلية، فإن بنيامين نتينياهو قد أوفد مبعوثه الخاص، إسحاق مولخو، إلى
القاهرة لممارسة "التأثير" على حلفائه الأمنيين في مصر. وقد نشرت معاريف
هذا الخبر بعد قرار القاضي عبد المعز إبراهيم، رئيس محكمة استئناف القاهرة،
بالإفراج عن الأجانب (أغلبهم أمريكيون) المحتجزين في قضية التمويل الأجنبي، حيث
استقلوا طائرة واحدة فور إطلاق سراحهم وغادروا إلى غير رجعة في مارس 2012.
وبحسب مصدر "الأخبار" في وزارة التخطيط
والتعاون الدولي، فإن الدعوى قد استندت في البداية على القرار الأحادي المنفرد من
الطرف الأمريكي بتحويل أموال كبيرة إلى غير المصارف التي تم التعاقد على إنفاقها
ضمن خطط المعونة الأمريكية قبل الثورة. وقد تمت المداهمات لمقار المنظمات حيث ضبطت
سيولة مالية كبيرة في بعض المقرات غير المرخصة، مثل مقر المعهد الديمقراطي الوطني NDI والمعهد الجمهوري الدولي IRI في كل من القاهرة والإسكندرية
والأقصر. في حين يدافع المتهمون عن عدم حصول منظماتهم على ترخيص بسبب تعنت الجهات
الأمنية والإدارية قبل الثورة في منح الترخيص، واتباع سياسة "اعمل طالما
تركتك!" التي ابتدعها نظام مبارك.
وبالإضافة إلى المنظمتين الأمريكيتين المذكورتين، فإن
قائمة الاتهام تضم أيضاً كلاً من منظمة بيت الحرية (فريدوم هاوس)، والمركز الدولي
للصحفيين، ومنظمة كونراد آدينآور الألمانية. وقد صدر بحقهم جميعاً قرار بالحل
وإغلاق المقار ومصادرة الأموال وجميع ما تم ضبطه فيها. ومن الجدير بالذكر أن منظمة
كونراد آدينآور التي بدأت نشاطها في مصر منذ التسعينيات من القرن الماضي، كانت
تقيم أغلب أنشطتها بشراكات حكومية وقليلاً ما كانت تتعاون مع المجتمع المدني بسبب
أوضاع ما قبل الثورة. ومن بين المحكومين في القضية يحيى زكريا غانم مدير فرع المركز
الدولي للصحفيين والكاتب الصحفي بدار الهلال، وباسم فتحي الفائز الأول عالمياً في
مسابقة مقال الشباب حول الديمقراطية عام 2010 التي نظمتها حركة الشباب العالمية من
أجل الديمقراطية، وشريف منصور الذي قطع إقامته في الولايات المتحدة لحضور جلسات
القضية إيماناً منه بصحة موقفه، على حد قوله.
يرى علي الرجال، الباحث السياسي المختص بالدراسات
الأمنية، أن القضية قد تم تلفيقها من قبل حكومة كمال الجنزوري إبان المجلس العسكري
ضمن استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع الثورة والحراك الميداني. فالمجلس العسكري،
بحسب تحليل الرجال، كان قد حصر المحركات الشعبية في المواجهات الثورية في طرفين؛
هما المجموعات الشبابية منبتة الصلة بالتنظيمات الحزبية والسياسية التقليدية وعلى
رأسها مجموعات الألتراس، ومنظمات المجتمع المدني التي كانت تتباهى بدورها في تدريب
الشباب الذين كان منهم من شارك في إشعال فتيل الثورة. لذلك فإن المجلس العسكري،
يتابع الرجال، قد لجأ إلى افتعال مواجهات تأديبية وانتقامية من شباب الألتراس كما
حدث في مجزرة استاد بورسعيد وما تلاها من مواجهات، بالتوازي مع تصفية المنظمات
المدنية وإنضاب مواردها.
تأتي هذه الأحكام وما سببته من تصريحات شديدة الاستياء
من وزير الخارجية الألماني، في ظل أجواء مشوبة بالتوتر والانزعاج من مسودة قانون
الجمعيات الأهلية الجديد التي تعدها الحكومة لطرحها على مجلس الشورى لتشريعها. وهي
المسودة التي تراها أغلب المنظمات الحقوقية والمدنية مقيدة للحريات والحق في
التنظيم، كما تتصاعد الاعتراضات على سوء استخدام مجلس الشورى للسلطة التشريعية
المخولة له على سبيل الاستثناء لحين انتخاب مجلس النواب. ويرى حقوقيون أن إصدار
القانون بهذا التسرع وبتلك المسودة المعيبة ما هو إلا دليل على سير الإخوان على
درب مبارك والمجلس العسكري في سبيل تقييد الحريات والتضييق على المجتمع المدني.
مقالي المنشور على موقع جدلية في الذكرى الثانية لسقوط مبارك بتاريخ 11 فبراير 2012
[جرافيتي على جدار خرساني أقامته أجهزة الأمن لمنع وصول المتظاهرين
لقصر الاتحادية – الصورة لكيرولوس ناثان ومركز القاهرة لدراسات حقوق
الإنسان]
كانت بالنسبة لي الدنيا متكونة من سلطة ومال يا أدهس خلق الله برجلي .. يا أسرق وأبقى رجل أعمال جه الأولتراس نور طريقي ووصلني لعالم الخيال فكرة تمحي هموم الدنيا وتخرج مني الضلال بعد العتمة وبعد الشدة كان لا بد من طريق ياخد بإيدي وبإرادتي وأعرف فيه معنى الصديق .. حاولتوا كتير تكتموا صوتنا بس ده كان مستحيل عندي قضية أهم مني والموت أهون لي كتير إعلام وشرطة وصحافة ومسؤولين كورة فاسدين حرب عليكم هتفضل قايمة لحد ما يتم التطهير
من أغنية "أسلوب
حياة" لمجموعة أولتراس "وايت نايتس"، مشجعي نادي الزمالك
عن الأوهام وضلالات النشطاء
أول ما
تعلمته في الحراك السابق للثورة هو التحلي بقدر من الشجاعة كي أسأل: ما الذي
يجعلني أن أعترف بشيئٍ ما كــ"قاعدة"؟ من الذي سنّ القواعد؟ ولماذا عليّ
أن أطيعها؟ هل لدي الحق في العصيان؟ وكيف سأعترض؟ أو بالأحرى كيف سنتعرض
"نحن"؟ وما هي تداعيات أفعالنا؟ وماذا ستكون ردود أفعالنا تجاه هذه
التداعيات؟ وكيف سنقوم بالتصعيد؟
ولكن قبل
إلقاء كافة التساؤلات، لا ينبغي أن ننسى البداية: لماذا ينبغي لنا أن نؤمن بأن
شيئاً ما "قاعدة" أو "مسلّمة"؟
لماذا نؤمن
بالأوهام؟ أوهام الاستقرار مقابل الفوضى، وأوهام الأمن مقابل الكرامة (من المهم أن
نفرق بين الأمن والأمان)، وأوهام دور الدولة ووظائف البنى التنظيمية، وخرافات
الإصلاح من داخل النظام، ووهم "عملية" التغيير التي قد تستغرق أعمار
أجيال متعاقبة.
في الحقيقة،
كانت التعبئة الميدانية في مصر محاطة بالكثير من الأوهام أيضاً؛ مثل "إننا
عشرات من النشطاء وهم آلاف من الضباط والجنود"، و"إننا دوماً نتظاهر دون
أن ينضم إلينا الناس، ياله من شعب جبان!". فضلاً عن أوهام أخرى؛ مثل أن قوات
الأمن دوماً أقوى منّا، وأن الشعب يسلك مسلك العبيد ولن يتغير أبداً، أو حتى أن
الجوع أهم من الديمقراطية لذلك علينا أن نعذرهم، وختاماً بالوهم الاستسلامي القائل
بأن "هذا الشعب لا يستحق الحرية". والملاحظ في هذه الأوهام احتواؤها على
كثير من الضمائر مثل "نحن" و"هم" دون تحديد دقيق لمن
"نحن" أو لماذا يسلكون "هم" مسلكاً مختلفاً!
لذلك كان الدرس
الأول في الخبرة الثورية المصرية في التعبئة الجماهيرية هو تحرير العقل من
الأوهام، والتحلي بالشجاعة الكافية للسؤال وإعادة التساؤل.
أما الدرس
الثاني، فلم يستغرق كثيراً من الوقت، ذلك لأن أحداً لم يجب تساؤلاتنا، فعرفنا
أن الدرس الثاني هو أن نجد الإجابة بأنفسنا. فإذا عجزنا عن إيجادها فعلينا أن نصنع
إجابتنا الخاصة.
لقد كلفتنا
معرفة أخطائنا – كشباب من الناشطين سابقاً والثوريين لاحقاً – أن ننظم ونشارك في
مئات الأنشطة الميدانية، وحملات التوعية، والوقفات الصامتة، وكتابة الشعارات، ورسم
الجرافيتي، ولصق المواد الترويجية، بجانب التظاهرات السياسية والحقوقية. وكان من
التوفيق أن نعترف بفشلنا في تعبئة الكتلة الحرجة المطلوبة لإحداث ما كنا نتطلع إليه
من تغيير شامل. وقد صار واضحاً أنه ما من حركة سياسية واحدة أو حزب منفرد يستطيع
أن يصنع التغيير المنشود، لذلك لم يكن السؤال عمن ينبغي له أن يشارك، فمشاركة جميع
الأطراف لم تكُ اختياراً.
كنا قد وصلنا
لذروة النقاء الثوري حيث كان المصريون إما "مع" أو "ضد"، بلا
وسط بينهما. أو بتوضيح أكبر، كان على المصريين كلهم في هذه اللحظة أن يكونوا ضد
الفساد والظلم والتعذيب، ولا يستثى من ذلك سوى أولئك الذين يطلق عليهم "زبائن
النظام" المنتفعين به، والذين يحرصون على مصالحهم مهما كان الثمن الذي يدفعه
الشعب خارج دوائرهم الشخصية والعائلية. فلم يكن لدينا رفاهية إقصاء أي حركة أو حزب
مشارك، أو يحتمل أن يشارك، في التظاهر والاحتجاج. لكن التحدي الرئيسي كان في تطوير
خبرتنا الفاشلة في العمل الائتلافي وإصلاح عطبها لمقاومة الاختراق الأمني من أجل
تشكيل تحالف صحي أكثر إنتاجية.
نقطة تحـــول
.. من الواقع المعتــاد إلى الحلم
وأتى عام
2010، أو المخاض الثوري الذي شهد عدداً من الفاعليات التعبوية والتصعيدات، فصار
عام الذورة في القمع والتعذيب والتزوير الانتخابي والإقصاء السياسي من قبل الحزب
الوطني الديمقراطي الحاكم، فضلاً عن تسارع مشروع توريث السلطة لمبارك الابن. وكان
لعودة محمد البرادعي وتدشين الحملة الشعبية لدعمه كمرشح رئاسي مناسب دور مهم أيضاً
في تحريك المشهد العام، وكذلك تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير وإطلاق حملة
التوقيعات على مطالب التغيير (الإصلاحية) السبعة. ومن ناحية أخرى، لا ينبغي أن
ننسى الاحتجاجات العمالية المتصاعدة منذ عام 2007، حيث تشجع مئات الآلاف من العمال
والموظفين على الفعل ورد الفعل ميدانياً ضد الفساد والسياسات النيوليبرالية،
مواجهين في ذلك أعداد ضخمة من قوات الأمن.
لا أود أن
أكون اختزالياً بالمبالغة في تقدير تأثير قضية خالد سعيد، ذلك الشاب العشريني الذي
تم تعذيبه حتى الموت في الشارع الذي يسكنه أمام حشد من الناس بالإسكندرية. وقد
كتبت مقالاً مطولاً أنقد فيه تحيّزات النشطاء التي جعلت من هذه القضية شيئاً
مختلفاً وملهماً رغم أنها لم تكن الأبشع. وأرفض كلياً فكرة ترميز خالد سعيد كأشهر
ضحايا نظام مبارك، ذلك لأني أصر على على النقاش الأكثر صدقاً للتحيزات الطبقية في
قضية خالد سعيد، والتأثير العاطفي للصورة الرقمية غير الدقيقة المنشورة له بعد
قتله، وكذلك دور موقع الحادث الجغرافي وسهولة المواصلات المؤدية إليه، وغيرها من
عوامل. لكني رغم نقدي لقضية خالد سعيد، لا يمكنني أن أنكر أن هذه القضية قد تم
استثمارها لتحويل التعبئة الميدانية إلى الاتجاه الصحيح، حيث أصبح الناس العاديون
أغلبية عددية في الفاعليات وأمسى النشطاء أقلية، للمرة الأولى في عهد مبارك.
وبالعودة إلى
الأوهام، دعونا نتساءل: من الذي قال إن هناك قاعدة تلزمنا بالتظاهر فقط في وسط
المدينة وميادينها الواسعة، على سلالم نقابة أو محكمة؟!
فبقليل من
التفكير أدركنا الحقيقة الجليّة، وهي أن وسط المدينة يقطنه قليل من السكان، والزحام
المشهود فيه هو بسبب المشاة أو الزائرين أو الباعة الجائلين أو أناس مشغولين بقضاء
حوائجهم. والحقيقة الواضحة الأخرى هي أن فعالية التظاهر في الميادين الواسعة تتطلب
أعداداً ضخمة من المشاركين حتى يمكن للمشاة والمارة ملاحظتهم. وبما أننا عشرات من
النشطاء، سواء في القاهرة أم الإسكندرية، فمن السهل جداً أن نحاط بالمئات أو
الآلاف من قوات الأمن فاقدين بذلك الميزة الوحيدة لوسط المدينة، وهي أن نكون في
مكان واضح مرئي جيداً من قبل المارة. هاتان الحقيقتان الواضحتان تم تأكيدهما عشرات
المرات، بما في ذلك أول فاعلية للتضامن مع خالد سعيد، حيث تجمع عدد صغير من النشطاء
اليساريين أمام قسم شرطة سيدي جابر، فكانت العاقبة مواجهة أليمة جسدياً وقانونياً
مع مئات من الضباط والجنود في شارع واسع يسهل السيطرة عليه أمنياً. فاختتمت
الأمسية التضامنية بكسر نظارة الناشطة ماهينور المصري بصفعة من ضابط شرطة، وتلفيق
قضية للناشط حسن مصطفى تم الحكم عليه فيها بالسجن فيما بعد.
أخيراً، قمنا
بتصحيح تحركاتنا، فأقمنا صلاة الغائب في جامع سيدي جابر، أقرب المساجد المناسبة
للفاعلية القريبة من منزل خالد سعيد. فلم نذهب – كما هو المعتاد في أغلب الفاعليات
بما فيها صلوات الجنازة والغائب المسيسة – إلى جامع القائد إبراهيم، أشهر مساجد
الإسكندرية ذي الساحة النظيرة لميدان التحرير في القاهرة. فقد صار لنشطاء
الإسكندرية "قاعدة" أن نقيم كل فاعليات المعارضة الجماهيرية في محيط
جامع القائد إبراهيم، لذلك حررنا عقلنا الجمعي من هذا "التابو" وذهبنا
لنقطة التقاء أخرى أقرب لمنزل الضحية. وقد أقمنا المظاهرة التالية في مكان أقرب
لبيت خالد سعيد في ميدان كليوباترا الصغير بشارع بورسعيد، وذلك من أجل جذب أكبر
عدد ممكن من جيرانه. أما المظاهرتان الثالثة والرابعة فكانتا في المكان ذاته، مع
قدرة أكبر على مراوغة قوات الأمن وسط حماية جموع الناس في حي سكني مزدحم. وقتئذٍ
وجدنا أن الناس العاديين المشاركين في الوقفة صاروا أغلبية من مئات، وأمسينا نحن
النشطاء والمنظمين تلك الأقلية التي كنا نحلم أن تكون كتلة حرجة تشعل تفاعلات أكبر
منها بكثير.
لقد تعلمنا
الكثير. ومما تعلمناه أننا لم نكن أكثر إنسانية أو حرصاً على الدفاع عن حقوقنا من
الناس العاديين، لكننا في الحقيقة كنا أغبياء بما يكفي لتجاوز المنطق. فالمنطق كان
يصرخ قائلاً إن مجموعة صغيرة مترابطة جيداً من النشطاء يمكنها أن تنتقل بسهولة إلى
الشوارع والميادين المزدحمة، حيث يلتقون بمعاناة الناس ويحفزونهم للمشاركة، ويسهل
عليهم ضم المتفرجين. المنطق أيضاً كان يحاول أن يخبرنا أن هذا أسهل ألف مرة من
دعوة الناس إلى القدوم خصيصاً في مكان مختلف من المدينة لا يسكنونه، حيث عليهم أن
يركبوا المواصلات العامة أو يبحثوا عن ركنة مناسبة لسياراتهم الخاصة، ثم يبحثوا عن
المتظاهرين في المكان المعلن، ثم يخترقون الطوق الأمني حولنا، لينضموا في النهاية
إلى المهرجان المعتاد من المواجهات الجسدية حيث يتم ضربنا بكثافة والتحرش بنا
واعتقالنا.
خلال هذه
الفترة، النصف الثاني من 2010، كان أولئك الناشطون الإصلاحيون سابقاً يختزنون
ذكريات النقاشات والمناظرات مع الأصدقاء الحالمين من الحركات الاشتراكية الثورية،
بالإضافة إلى مجموعة صغيرة من الأناركيين. هذه الذكريات يسترجعونها الآن من
لاوعيهم كلما تعرض المسار الثوري للتهديد بالمساومات السياسية الإصلاحية.
فالثوريون الأوائل كانوا يحلمون بالثورة مرددين اقتباسات مركبة من أدبيات اليسار
ومراجع ما بعد البنيوية، وكانوا يفعلون ذلك حين كان التحليل "العقلاني"
لكل من الأفراد والمؤسسات يعجر عن التفكير خارج الصندوق البنيوي التنظيمي.
لذا كان الدرس
الثالث: بعد أن تفعل أقصى ما تستطيع، احلم بأقصى ما يمكنك. نشّط خيالك، وآمن
بأحلامك.
الشباب هم
القادة .. والشعب هو المعلم
في ذلك الوقت
السابق للثورة، كانت معضلتنا أن نصل لحل وسط بين الالتزام بالقاعدة الشهيرة، في الوحدة
قوة وفي التفرق ضعف (يمكن اعتبارها الدرس الرابع)، وبين تجاهل الأجيال
الديناصورية من السياسيين المعارضين دون إضاعة الكثير من الوقت في جدالات غير
مجدية. لذلك وجدنا حلاً – في الإسكندرية – بتشكيل لجنة للتنسيق بين شباب القوى
السياسية والوطنية ضمت ممثلين عن كل من: الحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب
التغيير، وحركة شباب 6 أبريل، وحركة الاشتراكيين الثوريين، الحركة الشعبية من أجل
الديمقراطية (حشد)، وشباب من أجل العدالة والحرية، وممثلين لشباب الإخوان المسلمين
وأحزاب الجبهة الديمقراطية، والغد، والكرامة. وكنا على تنسيق وتفاعل مع كافة
الأنشطة التي دعا إليها أول منبر تعبوي إلكتروني ناجح، وهو صفحة كلنا خالد سعيد،
التي أنشأها وائل غنيم وشاركه في إدارتها وتحرير محتواها عبد الرحمن منصور. وأؤكد
أنها كانت أول أداة إلكترونية ناجحة في الحشد لأن دعواتها للفاعليات الميدانية
والوقفات الصامتة بالملابس السوداء وجدت استجابات غير مسبوقة، في حين أن إضراب
أبريل 2008 كان قد دعي إليه ميدانياً من عمال المحلة الكبرى، مدينة الغزل والنسيج،
ثم أنشأ أحمد ماهر مجموعة إلمترونية على فيسبوك للترويج للدعوة نفسها، قبل أن يصير
مؤسساً لحركة 6 أبريل ومنسقاً عاماً لها في يونيو 2008.
كان لزاماً
علينا أن ننسق فيما بيننا، وأن نقوم بالتشبيك الأفقي، وأن نتعاون بشكل مرن، وأن
تكون فاعلياتنا متعددة القيادة. وقد وضعنا قواعدنا الخاصة؛ فلا شعارات حزبية، ولا
أعلام لفصائل أو حركات، ولا هتافات بأسماء أشخاص، ولممثلي كل حركة أو حزب صوت واحد
في الاجتماعات التنسيقية، وليس للجنة التنسيق منسق دائم أو أمين سر ثابت، وليس لنا
مقر محدد لاستضافتنا، ولا التزامات إجبارية على أي طرف لن يناسبه المشاركة في
الفاعلية التالية، وفي حالة عدم مشاركة أحد الكيانات في إحدى الفاعليات فعلى ممثل
هذا الكيان ألا يضيع وقت الآخرين في مناقشة التفاصيل، وغيرها من القواعد التي
أبدعتها العقول المحررة من الأعراف البيروقراطية وبروتوكلات الأجيال الديناصورية
من الساسة "المخضرمين".
وحين تصاعدت
الأحداث في تونس، حتى كللت ثورة الياسمين بهروب زين العابدين بن علي، ألهمتنا أيما
إلهام. فقد رأينا الحلم بالثورة الشعبية يتحقق في ذاك المساء المطير، حيث لم نعد
واثقين من أين أصابنا البلل؛ أهي زخات المطر على شاطيء المدينة الأبيـّـة أم دموع
الفرح المنهمرة على خدودنا؟ ليلتها احتفلنا بمزيج من الأمل والغيرة، فقد آمنا أننا
نستطيع أن نفعلها، فقد فعلها أشقاؤنا في تونس.
انتشرت
الدعوة لإظهار الغضب في الذكرى السنوية لعيد الشرطة، الموافق يوم 25 يناير. وعقدنا
الاجتماعات التحضيرية في مقر الحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير، وقد
صار الحفاظ على أقصى درجات السرية بين كل حركة والأخرى هو السلوك الحاكم. ووضعنا
الخطة ليلة 24 يناير للبدء من الأحياء الشعبية والفقيرة لتحفيز جموع الناس غير
المسيّسة على المشاركة في التحرك والزحف. وكان السجال قد اشتعل عبر موقع فيسبوك،
ما بين تعليقات سخيفة، وتهديدات، ومخاوف، وإصرار.
"أنا مش
هعمل "حضور" في إيفينت الثورة" .. وجوه باسمة .. مشاركة مقالات
لكتاب مشهورين يهاجمون إرادة المصريين ويزعمون أن "مصر ليست تونس" ..
"أنا سأشارك، لكني شاكك" .. "أنا راجع من السفر مخصوص وهشارك وليكن
ما يكون" .. إلخ.
بدأنا الزحف
من الأحياء الشعبية والفقيرة، واخترنا هتافات موجهة لاحتياجات الناس اليومية
المفقودة، ولحقوقهم الأساسية المنتهكة. كان يحدونا الأمل أن ينضم الناس لعشراتنا
فنصير بالمئات. كانت البداية في تمام الساعة الثانية ظهراً بتقدير مبدئي أننا
سنسير لمدة ساعتين في مسارات مخططة سلفاً. لم يكن في خطتنا أن نهتف ضد مبارك أو أن
نطالب بإسقاط النظام، حفاظاً على أكبر قدر من المشاركة دون إخافة الناس العاديين غير
المسيّسين. لكننا لم نلبث بعد دقائق معدودة أن فقدنا السيطرة على الآلاف من
المتظاهرين الزاحفين من الناس العاديين الذين هتفوا "يسقط يسقط حسني
مبارك"، وما هي إلا لحظات حتى رددوا الهتاف التونسي الخالد "الشعب يريد
إسقاط النظام". التهب حماسنا بمشاركة غير متوقعة من كل الفئات، فإذا بنقّاش
ينضم للمسيرة بملابس العمل المليئة ببقع الطلاء وهو ينادي على زميله: "تعال
شارك. أنت مش مصري؟" وإذا بالنساء في الشرفات يدعمننا بالماء والعصائر، وكثير
من الابتسامات والتشجيع والمشاركة في الهتاف، فضلاً عن المشاركات معنا مع الناشطات
وغيرهن من المواطنات. وإذا بالهتافات تتوالد تلقائياً ويرج البيوت نداء "انزل
.. يا مصري". ثم تصل الجموع إلى المقر الصيفي لرئاسة الوزراء بشارع أبي قير
في منطقة "فلمنج" فيستلق المتظاهرون أضخم صورة لحسني مبارك بالإسكندرية
ويمزقونها، للمرة الأولى والأخيرة، بالتوازي مع الجموع المحتشدة في أماكن عدة من
عروس البحر المتوسط التي كانت تمزق صوره وصور ابنه جمال بأيديها وتشق أفق السماء
بأصواتها.
زحفنا لأكثر
من أربع ساعات في خطوط سير متعرجة بأعداد غير قابلة للتحكم من أناس عاديين غاضبين.
وقد شهدتُ ما يقرب من عشرة آلاف مشارك في المسيرة التي بدأت بقيادة مشتركة بيني
وبين الناشط محمد عبد الكريم، بالتوازي مع ست أو سبع مسيرات أخرى في الإسكندرية
وحدها. عشرات المسيرات أيضاً كانت في القاهرة والسويس وكفر الدوار ودمنهور والمحلة
الكبرى والإسماعيلية، وما يقرب من عشر مدن أخرى في أنحاء مصر. وقد عرف الناس ما
ينبغي لهم أن يفعلوه. فبعضهم قد تطوع تلقائياً لتتنظيم المرور، والبعض أقام حواجز
بشرية بين المتظاهرين وبين كل نقطة وقسم شرطة مررنا عليه، وحتى منزل مدير أمن
الإسكندرية بشارع الإقبال حمته مجموعات من المتظاهرين حيث كانت أسرته داخله
تشاهدنا دون قلق، ويومها وُلد الشعار الشهير "سلمية .. سلمية".
الدرس الخامس: ثقوا في
الناس. الشعب هو المعلم.
"ما في
حاكم إلا من خيال محكوم"** .. ولا ثورة إلا من خيال ثائر
بذل الناس ما
في وسعهم لتفادي القتال. ففي الإسكندرية، زحفت المسيرات كـدودة أكثر من مرة حينما
حاولت التشكيلات الأمنية أن توقفها في الشوارع الضيقة. وكالعادة، لا تقع المواجهات
العنيفة إلا في الشوارع الواسعة والميادين. فانتهت السلمية حينما بدأت مئات الآلاف
من قوات الأمن بأنحاء مصر في استخدام الرصاص والغاز المسيل للدموع والمواجهات
البدنية. وسقط الشهداء أولاً في السويس، فتحول يوم الغضب إلى انتفاضة. بدأت
الانتفاضة عملياً يوم الجمعة 28 يناير واستمرت حتى المعركة المعروفة إعلامياً
بموقعة الجمل في ميدان التحرير يوم 2 فبراير، وحينها تطورت الانتفاضة إلى ثورة
حقيقية.
صار لمصر
ثورة شعبية بها الكثير من السرديات لتروى، والمئات من الأفلام الوثائقية لتصنع،
والآلاف من القصص المفقودة. إنها قصص البطولة المستحيلة، والشهداء الذين تلوا
الشهداء، قصص ارتفاعات الموج الثوري وانخافاضاته، الآمال والآلام، كيف ذهب مبارك
إلى السجن، وكيف خرجت منه السلطة الحاكمة الآن، كيف أتى المجلس العسكري إلى الحكم،
وكيف أفسدت السياسة نقاء المطالب الثورية في "العيش، والحرية، والعدالة
الاجتماعية، والكرامة الإنسانية". ولا تتوقف القصص عند المحاكمات الهزلية
لعصابة مبارك، ولا لمهرجان البراءة لجميع قتلى الثوار، بل تمتد المآسي للمحاكمات
العسكرية لأكثر من عشرة آلاف مدني في مدة زمنية قياسية. قصص تتراوح بين الضحك
والدموع، بين الدعوات لمليونيات في ميدان التحرير وشوارع الإسكندرية لا يشارك فيها
سوى العشرات، وبين استقطاب إسلاموي-علماني، وبين استفتاء مخزٍ على تعديلات دستورية
معيبة في مارس 2011 لم يلبث المجلس العسكري أن أصدر بعده إعلانا دستورياً يحوي
أضعاف المواد المستفتى عليها.
مرت الشهور
كالدهور، حتى فقدنا الأمل في إمكانية أن نعيد بناء قدرتنا على الحشد، ذلك الذي ظنننا
أن الإسلاميين قد احتكروه. لكن المجلس العسكري حين أظهر وجهه القبيح في نوفمبر
2011، نادى شارع محمد محمود ومذبحته على المصريين ليدافعوا عن ثورتهم، فخرج
الملايين إلى شوارع أكثر من 17 مدينة مصرية، واحتشد أكثر من مليون مواطن في ميدان
التحرير بالقرب من شارع محمد محمود. واعتبرناها الموجة الثورية الثانية حين هبّت
الجموع رافضة تكرار مذبحة ماسبيرو حين دهست المركبات العسكرية رؤوس المواطنين
الأقباط في أكتوبر 2011، فانضمت الحشود متضامنة مع المعتصمين السلميين وأهالي
الشهداء والمصابين.
وعادت
الملاحم البطولية تستكمل سطورها بمداد من دماء الثوار، وكتب التاريخ الحيّ قصصاً
تروى للأجيال. ولو نسيت كل ذكرياتي منها فلا يمكنني أبداً أن أنسى ذلك الفتى
المشرد الذي بادر بحماية إحدى الطالبات الجامعيات ساحباً إياها من خطوط المواجهات
في شارع محمد محمود، بعد أن كادت تفقد الوعي بسبب كمية الغازات المهولة التي
استخدمها الجيش ضد المدنيين. وبعد أن صارت في مأمن نسبي، قال لها الفتى ذو البضعة
عشر خريفاً إنها وزميلاتها متعلمات و"بنات ناس"، في حين أنه وأقرانه غير
مهمين وعديمو الثمن، مطالباً إياها أن تبتعد عن الخطر وتتركهم ليموتوا بدلاً عنها
كي تعيش هي وزملاؤها ويبنوا البلد بعد تطهيره من الحكومة.
الدرس السادس: إذا كانت
السياسة ينبغي أن تُعقل، فالثورة يجب أن تُشعر. إن المشاعر والدوافع المعنوية
النبيلة لا يمكن احتواؤها بالأبنية التنظيمية. والتنظيمات السياسية لا يمكنها
أبداً أن تتحكم في الحراك السائل.
ولا يزال
الشعب يريد
وكما تجدد
الأمل في الخيال في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية، فإن المخاوف أيضاً
قد تجددت بعد وصول الرئيس الإخواني للسلطة بشرعية الصناديق. تشكك الثوار في قدرتهم
على مواجهة الجماعة الأكثر تنظيماً، ومؤيديها الأكثر دوجمائية من أطياف الشارع
السلفي والإسلاموي. لكن الحقيقة أن هذه التخوّفات احتوت على عدة مغالطات، أكبرها على
الإطلاق وهم أن هناك "ثواراً ما" يحشدون الجماهير، وأنهم في منافسة
تعبوية مع الإسلاميين عموماً والإخوان خصوصاً. والخطأ الكبير الثاني هو فقدان كل
من كلمتي "الثوار" و"الفلول" لمعانيهما بسبب الابتذال
والاتهامات المتراشقة من ناحية، وبسبب تحالف بعض من يحسب على الثورة مع رموز
النظام البائد فيما أسموه جبهة الإنقاذ الوطني، من ناحية أخرى.
وحين أصدر
محمد مرسي إعلانه الدستوري السلطوي في نوفمبر 2012، عادت الجموع الغفيرة في مسيرات
ضخمة وصلت حتى باب قصره. وأثبتت الحشود الثورية خصائصها الزئبقية، فهي ليست في
صلابة وانضباط التنظيمات الحزبية والهياكل الهرمية، ولا يحركها قادة محددون، وليست
في انطفاء السوائل الباهتة التي قد تتبخر إذا اشتدت عليها وطأة قمع الحديده والنار.
فحشود الثورة معدنية لكنها سائلة، ومنسابة لكنها براقة ولامعة، وإذا حاولت السلطة
احتواؤها أو ابتلاعها أصيبت بالتسمم الزئبقي.
الحشود
الزئبقية تدعوها الحاجة الشعبية غير المؤدلجة لاستكمال الثورة على الظلم والطغيان
والقمع والقهر والانحياز للأغنياء. وهي خير من تلبي النداء غير مقودة بزعامات
جوفاء كثيراً ما تخون مباديء الثورة الشعبية المدنية، فيستنجدون بالخارج أو
يستغيثون بالعسكر. وإذا أردنا استخلاص درس أخير لمعرفة كيف تتم تعبئة الجماهير في
الثورة السائلة المصرية، فإن الدرس السابع هو: أن نتذكر الدرس الأول، وأن
نحرر عقولنا من القواعد، لنصنع قواعدنا بأنفسنا من جديد.
.
في الكورة حياتي لكن لبلادي أموت وأفديها بعمري راح زمن السكوت دي الثورة اتولدت فكرة ولا يمكن تموت فارس عايش للنضال .. كل سلاحه العقلية ثابت حافر في الجبال .. خطوة لأرض الحرية ثورة ونضال .. أسلوب حياة جزء في عقليتي مافهمهوش الطغاة قالوا شرطة في خدمة شعب وكنا احنا العبيد قتلونا وكتموا في صوتنا بالنار والحديد جهلة والقمع حياتهم وخيالهم مريض اقتل واسجن إيه الجديد؟ ابني سجونك علّيها مهد الثورة في العقول انسى بظلمك تمحيها تضرب في غاز .. تضرب رصاص جيلنا من الموت .. ما بقاش بيخاف خلاص وفي كل مكان في بلادي سامع صوت شهيد بحياته بيكتب غنوة للفجر الجديد حرية وجوا بلادنا مش هنعيش عبيد بين الثورة والكفاح .. دم شهيد الحرية يكتب لبلاده النجاح .. ينهي عصور القمعية ينهي الفساد مهما يطول الزمان نكتب بإيدينا تاريخ أغلى الأوطان
من أغنية شمس الحرية، لأولتراس "وايت نايتس"
مشجعي نادي الزمالك
[i]
* المقال معدّل من مشاركة توثيقية بورشة عمل
"الخبرات المقارنة في التعبئة والاحتجاج"، كلية إليوت للشؤون الدولية،
جامعة جورج واشنطن، 13 أكتوبر 2012. ** بتصرف من
مقطع بأغنية "يا مصر هانت وبانت"، كلمات الشاعر تميم البرغوثي وغناء مصطفى
سعيد.
المشهد الأول: الأفوكاتو الملتحي وفتى القصر العيني –
سبتمبر 2012
قبيل موعد طائرته بسويعات قليلة، قرر أن يذهب إلى ميدان
التحرير لشراء بعض الهدايا التذكارية لزملائه وأصدقائه الخواجات الذين سيمكث معهم
طيلة شهور بعيدًا عن أرض الوطن. كان ميدان التحرير الاختيار الأنسب لهدايا تحمل الطابع
المصري وإشارات إلى ثورة الكرامة، وتكون متنوعة بما يكفي لعدد غير قليل منهم. ذهب وهو
يعرف جيداً أماكن الباعة الجائلين، أو محتلي الرصيف، أو أياً كان وصفهم، الذين
تمتد فرشهم ما بين هارديز إلى كنتاكي ثم إلى المقاهي..
قادته قدماه إلى دخول الميدان من شارع القصر العيني
بدءاً من محطة البنزين الواقعة أسفل شقة ثوار إسكندرية بشارع ضريح سعد حيث ذكريات
لا تنتهي مع النقاش الثوري، والاستحمام لاستئناف الاعتصام، ولقاء بعض ثوار
المنصورة المتمردين، وغيرها ..
صورة أرشيفية لشارع القصر العيني
وكطقس من طقوس "الرمرمة"، وكنوع من الوداع، لم
يستطع منع نفسه عن سندوتشات الجمبري والمخ المقلي بمطعم الشناوي على الرصيف
المقابل لمحطة البنزين، ثم عبوة معدنية من المياه الغازية يشربها متباطئاً مسترجعاً
ذكريات مكثفة لا تبدأ فقط عند المحمصة ولا تنتهي فقط بشارع الشيخ ريحان ..
هنا قتل الشيخ عماد عفت .. وهذا مدخل الشارع المؤدي لمقر
حملة أبوالفتوح بجاردن سيتي .. وهذا هو شارع مجلس الشعب الذي اعتصم بمدخله كمتطوع
في لجنة الإعاشة والنظام في بداية اعتصام مجلس الوزراء في ديسمبر الماضي .. وهنا
أقيم معرض الصور على حافة رصيف به سور حديدي وراءه أسلاك شائكة احتمي بها قوات
نظامية من أجهزة أمنية وعسكرية مختلفة قبل أن يصعدوا إلى الأدوار العليا ليتبول
أفرادها علينا ويقذفوننا بالحجارة والرصاص ..
ذاق في هذا الشارع طعم امتلاك المساحات العامة. نعم، كنا
نملكه ونتصرف فيه كما نشاء بمسؤولية، فنفتحه تارة أو نغلقه أمام السيارات تارة
أخرى بحسب الموقف. لذلك لم يمنعنا عنه حواجز خرسانية أنشأوها بمعدات ثقيلة
وأسقطناها بأيدينا ..
(أغنية الســـــــــــــــــور)
لم يكن همه وقتها الحفاظ على الذكريات الجمعية المهددة
بالمسح والمسخ من هذه البقعة المقدسة، بل كان تركيزه منصباً على حماية ذاكرته الشخصية
قبل أن تقلع طائرته لآلاف الأميال بعيدا عن أرض الملاحم الثورية ..
لم يكد يعبر شارع الشيخ ريحان ويقترب من رصيف مجمع
التحرير حتى وجد رجلاً خمسينياً ملتحياً يطارد فتييْن يتضح من ملابسهما الفقر – أو
ربما التشرد – .كان يصيح بهما ويستغيث بالمارة .. فاختار أن يكون إيجابياً ويجيب
استغاثته، فلربما أمكنه رد حقه إليه إذا سرقاه أو شيئاً من هذا القبيل ..
كان عليه أن يختار أحدهما، لأنه يعرف أن من يطارد
عصفورين معاً يفقدهما سوياً، فاختار الأقرب له وأمسكه بالفعل .. كان حريصاً على
إمساكه بقوة وعدم إفلاته لكن دون أن يتأذى الصبي .. هرب الفتى الآخر وأدرك الرجل
المستغيث الفتى الذي أمسكه صاحبنا ..
ماذا حصل؟ ماذا فعل؟
سؤالان في غاية البداهة والعقلانية موجهان لرجل يبدو
عليه – أو يتوقع من عمره على الأقل – الحكمة لكن الإجابة أتت مليئة بالرعونة ..
كسرا مرآة سياااااارتي .. ولاد الكلب .. لن أتركه .. عايز الشرطة لابن الكلب ده ..
عايز الشُرطاااااا ..
حاول صاحبنا تهدئته .. رويداً يا أستاذ .. اهدأ قليلاً
.. لكن الأستاذ الكهل الذي عرف نفسه بأنه محام ورجل قانون لم يستجب .. حاول أن
يمسك الفتى من يد صاحبنا وأن يجره بعنف .. والفتى منهار في البكاء يقسم بالله أنه
لم يكسر المرآة بل الفتى الآخر .. وأنه يمسح السيارات في الإشارة ويسعى وراء لقمة
عيشه ..
لم يسمع سيادة الأفوكاتو شيئاً من هذا وكان يصرخ
كالمعتوه لن أتركه "مش هسيبووووووه" محاولاً شد الفتى .. استشاط صاحبنا
غضباً وألقى عبوة المياه الغازية من يده اليسرى وتوجه بكل قوة دافعاً الرجل بعيداً
عن الفتى صارخاً في وجهه أنا أمسكته لك فلا تستقوِ عليه! تعال نرَ ماذا في سيارتك!
ذهبوا ومعهم مَن احتشد حولهم من مارة ومن عمال حديقة
المجمع ليعاينوا السيارة قبيل شارع محمد محمود في جهة حديقة مجمّع التحرير، وقد
شعر الرجل بغضب صاحبنا وعدم سماحه بأي نوع من التعرض الجسدي بالفتى، فتراجع عما
أبداه من رغبة في ضربه على سبيل العقاب ..
لم تكن المشكلة في إصرار الفتى على براءته وقسمه المتكرر
على ذلك .. ولا في تجاهل الأفوكاتو الملتحي لعرض قدمه صاحبنا بتحمل قيمة التلف في
مرآة سيارته .. لكن المشكلة كانت أبعد من ذلك بكثير ..
وسط تهدئة المارة ومحاولات فض المشكلة وقع التحدي بين
عينيْ صاحبنا وعينيْ الأفوكاتو حين بدأ الأخير بشتمهم "كلهم" ..
"دول عيال صيع وبيحقدوا عليكم وعلى عربياتكم" .. "لو سيبته هيضر
عربية غيري وغيره" .. "لازم نوقفهم عند حدهم" ..
سيارته المتواضعة التي تبدو للاستخدام النسائي الناعم
أكثر من كونها سيارة فاخرة أو عملية ألقت في يقين صاحبنا أن سيادة الأفوكاتو محدث
نعمة ليس بحاجة إلى الحقد، بل إلى الشفقة والتأهيل النفسي .. لكن غضبه لصالح حَسَن
البريء جعله يختار من الردود ما يواجه صلف الأفوكاتو ..
الأفوكاتو لم يكن غبياً ولا ساذجاً.. بل استشف من كلام
صاحبنا ونبرته انحيازاته لصالح حسن ومن يمثلهم حسن؛ كطفل، أو كمشرد، أو كشخص سيئ
الهندام، متسخ اليدين، لا يملك سوى خرقة يمسح بها السيارات في سلوك حائر بين العمل
والتسول، أو كفقير منزعج جدا من سقوط "شبشبه" أثناء المطاردة وحرصه رغم
بكائه وخوفه وهول الموقف بالنسبة له أن يسترد فردة "الشبشب" الذي لا
يملك غيره على الأرجح ..
نظر الأفوكاتو في عيني صاحبنا وقال له: "أنت عندك
مشاكل على فكرة" .. وكأنه أراد أن يقول: إنك معقد ومثالي وغير مدرك لخطورة
الأطفال المشردين الحاقدين على ملاك السيارات، هؤلاء العيال المخربين الواجب تخليص
المجتمع من شرورهم ..
رد صاحبنا: "كلنا عندنا مشاكل .. واللي أنت بتعمله
ده مش هيحلها .. ودول ضحايا مش سبب المشكلة" .. تدريجياً تحول بكاء حسن وكلام
أفراد الحشد إلى صوت في خلفية حوار ثنائي دائر بين الأفوكاتو الملتحي وبين صاحبنا
الذي لمّح له بأنه لا يريد أن يحرجه بالكلام .. عاند الأفوكاتو: "لأ
قول" بنظرة مليئة بالتحدي المتعالي الساخط ..
فشلت كل محاولات صاحبنا في الحفاظ على هدوئه والتصرف
بحكمة فانفجر في وجهه "يعني أنت لو حصلت لك مصيبة ومش سايب حاجة لعيالك مش
هتلاقيهم معاه بيمسحوا العربيات زيه" ..
كانت نبرة صاحبنا محتقنة وصوته
واصلاً لشارع محمد محمود والشيخ ريحان مما استدعى مزيداً من المارة وأسكت الحشد
للحظات .. كان صراخه ينبيء بشيء عميق مكتوم يضيق الموقف المتأزم عن الخوض فيه ..
لم يرد على سؤال صاحبنا وعاد ليصر على أن واحداً منهم
الذي فعلها وهو ليس مسؤولاً بل حسن هو المسؤول .. أيقن صاحبنا أن احترام فارق السن
لم يعد يجدي فأخذ يتهكم على الأفوكاتو "والله عيب اللي بتقوله ده يا
متر" .. "فين شخصية العقوبة" .. رد الأفوكاتو بتناحة يحسد عليها
"سيبك من أني محامي .. أنا بعرف ربنا" متحسساً لحيته الطويلة التي يغلب
البياض فيها السواد .. فرد صاحبنا بتوبيخ "طيب ربنا قال لا تزر وازرة وزر
أخرى يا عم الشيخ!" ..
لم ينته الموقف إلا بتدخل أحد المطيباتية الذين لا يرقى
كلامهم لمشكلة الأفوكاتو .. أنت راجل كبير .. وكل سنة وأنت طيب .. وده عيل صغير ..
وربنا يعوض عليك .. وتمتمات من هذا القبيل .. وكثير من "وكل سنة وأنت
طيب" ..
غار الأفوكاتو بسيارته المتوهم حقد المشردين عليه بسببها
.. ووقف صاحبنا يربت على كتف حسن ويشدد عليه ألا يستسلم للخوف وألا يهرب طالما لم
يكن قد أخطأ لأنه بذلك يثبت التهمة على نفسه ..
ترك حسن وسط من تبقى من الحشد وانصرف إلى وجهته الأساسية
على الجانب الآخر من الميدان .. وكان صدره يغلي مما رآه من ظلم واعوجاج فطرة
متجسدين في رجل يعرّف نفسه أنه محامي ويعرف ربنا .. لم يستغرب أن لم يشم فيه رائحة
عفو عند مقدرة ولا أي دور إصلاحي ولا أدنى حس تربوي .. بل ما ضاق به صدره أن رآى
أباً لأبناء في مثل عمر هذا المشرد وقد تجرد من أية مشاعر سوية واتهم طفلاً بالحقد
عليه لمجرد أنه يركب سيارة في غاية التواضع ..
وما غاظه هو نزعته الانتقامية الاستقوائية المستغلة
مساعدة الغير له في الإمساك بمن يريد أن ينتقم منه، والأدهى أنه يريد الانتقام من
بريء بذنب شخص آخر .. أما حسن فقد جسد اللهو البريء المصاحب للعمل القريب من
التسول وهو يضحك من سلوك الفتى الآخر حتى لو كان عدوانياً، فيجني ثمرة هذا مطاردة
مخيفة له، خاطر فيها بمصير مجهول من الأذى الجسدي وضياع فردة "شبشبه"
ورأس ماله – الفوطة -
شعر أنه يريد أن يصرخ لينفث ناراً تطهر القلوب الصدئة ..
وحث خطاه إلى مبتغاه ليلهي نفسه عن مشاعره السلبية ويلحق بطائرته .. ضاق صدره أكثر
وهو يعبر الميدان وسط ضجيج سيارات شعر أنها اختطفت الميدان من مالكيه .. وإشارات
مرور تعطل سير الحياة لا تسهلها .. وإذا بخاتمة المساء الكئيب حيث يفاجأ بالصينية
وقد واقتُلع منها البشر لتزرع بها بعض النباتات .. وإذا بالرصيف يخلو من الباعة ..
فلا أعلام .. ولا هدايا .. ولا تذكارات .. ولا رموز لثورة الشعب ..
ميدان التحرير بعد طمس ذكرياته
المشهد الثاني: عايز زبادي بالفواكه يا أبلة – نوفمبر
2011
كان احتقان صاحبنا في موقف الأفوكاتو الملتحي وفتى القصر
العيني مركباً .. فذلك الموقف أعاد ذكريات جمعته بمن هم على شاكلة الفتى حسن وعاش
معهم في المكان ذاته قبلها بما يقرب من عام .. ومن ناحية أخرى استثار خلفية بصاحبنا
نفسه ونشأته وظروف صباه وشبابه الأول ..
في مثل هذا المكان منذ عام كانت المشاركة الثورية الأولى
لصاحبنا في القاهرة بعد أن قضى الثمانية عشر يوماً الأولى في الإسكندرية وشارك في
الفاعليات الثورية اللاحقة في مدن ومحافظات عدة في أرجاء مصر ..
من مليونية رفض وثيقة السلمي العسكرية - 18 نوفمبر 2011
البداية معروفة .. مليونية يوم الجمعة الموافق 18 نوفمبر
لرفض الوصاية العسكرية على الثورة والدولة والتي كانت مقترحة فيما عرف بوثيقة
السلمي، ثم فض لاعتصام أهالي الشهداء والمصابين في اليوم التالي بالقوة الغاشمة،
وحرب استنزاف استمرت من العاشرة صباحاً حتى السابعة مساء، حيث انسحبت القوات كلها من
الميدان، واحتله الآلاف، واندلعت شرارة المواجهات الدامية بين عشرات الثوار ومئات
من القوات النظامية بشارعي محمد محمود والشيخ ريحان ..
---------------
(لمشاهدة مقاطع مختلفة لأحداث محمد محمود بدءاً من البداية السلمة بشارع الشيخ ريحان الساعة 10:15 ثم المعارك والمصابين والمستشفيات الميدانية وغيرها الرجاء الضغط هنا)
------------------
في أغلب الأحيان كانت المواجهات مستمرة ومفتوحة داخل
الشارعين فقط ثم في شارع محمد محمود وحده، حيث استمرت 6 أيام كاملة .. وكان يتوازى
معها اعتصام كبير في الميدان ومظاهرات حاشدة تنتهي ببداية المساء تقريباً ..
في هذه الأيام الست، وأثناء تجوال صاحبنا ما بين المعارك
وتصويرها ورفع مقاطع الفيديو والمشاركة في الاعتصام بدأت تتضح له ملامح الجانب
الآخر من حياة الميدان .. وبعد توقف الاشتباكات كان متفهماً – ربما أكثر من غيره –
لماذا يرفض كثير من المعتصمين فض الاعتصام أو فتح الميدان ..
لم يقتصر الأمر على الشعور بالملكية والحكم .. بل كان
الأمر أعمق ..
في اعتصام الميدان على هامش معارك محمد محمود تجمع بعض
المشردين ممن لا يأويهم بيت ولا يظلهم سقف .. ووجدوا "ولاد الناس"
يفترشون الأرض جوارهم .. يقاسمونهم الطعام .. يشاركونهم الغطاء ..ويهتمون لرعايتهم الصحية والبدنية ..
ففي اعتصام الميدان على هامش معارك محمد محمود ..
جلس الغني مع الفقير على الرصيف ..
وتقاسما شطر الرغيف ..
وأتت صبية كان يرمقها الفتى ..
حملت بيدها أدوية ..
جادت ببعض الأغذية ..
لبست قناعاً واقياً ..
سألت مصاباً دامياً:
كيف الألم؟
اشرب عصيرا واسترح
هاتوا القلم!
لا تبكِ "أخي" .. ولا تـنَـــــُح
هيا احملوه
لا تفلتوه
وحين عاد ملفوف الجراح
لم ينسَ نبرتها في "يا أخي"
فحص الوجوه والطُـرَح
أين الصبية؟ الطبيبة؟ الفتاة؟
هل طالها أيدي الطغاة؟
وحين أخبره الرفاق بما حصل
لم يبكِ، لا .. بل تأمل وانذهل
هجم الكلاب على الحمام
وتسللت وسط الأسود
ألقت قنابل للدموع
وأخرى لم يعرفها شخص في الجموع
كانت ضحيتها الفتاة
من سمع منها - ولم يزل - أحلى الكلام
"يا أخي"
رحماك ربي يا الله!
أبعد أول مرة أكون فيها إنسانا؟
أبعد أول ليل أبيت فيه شبعانا؟
أبعدما الثوار صاروا اليوم إخواناً؟
هل بعد زوال همي في الغذاء؟
أبعد حقى في الطبيب والدواء؟
لنومي كل أشكال الفُــرُش
لرسمي كل ألوان الفُــرَش
أبعد هذا؟ بعد ذاك؟
حتى النساء والصبايا لم يعدن يَهَبْنَني
فلست بعد الآن صنفاً من مخيف
ولسْنَ بعد اليوم لحماً مستساغاً
لا في الطريق ولا القطار ولا الرصيف
من ذا يريد أن يفض الاعتصام؟
من ذا يريد دفء الماء في الحمّام؟
من ذا يريد السـُـــفْرة .. أو غطاءً بالسرير؟
وأين لي بالسترة .. من برود الزمهرير؟
هل قد هممتم حقاً بالرحيل؟
هل هان ملح العيش؟
هل جف كأس ذقنا فيه الزنجبيل؟
ماذا عن وتر الجيتار؟
هل انقطع؟
والليل الذي غلب النهار؟
هل انقشع؟
هل بعد أن صارت خيمتي عنواناً؟
والخيمتان عن يمين وشمال
تأويان جيراناً وجيراناً؟
فلتستمر المعركة ..
أنا لم أنم كمثل نومي بينكم
ولن أملّ أو أعيب أكْـلكم
ونقاشكم وضحككم وطبكم
أنتم أنا .. أنا بكم .. أنا لكم
فلتستمر المعركة..
انزع حجارتك من الرصيف
شاركني في شطر الرغيف
هيا سوياً فلنقاتل للأبد
أنا كالظهير وكالدروع وكالوتد
هيا نقاتل من قتل ومن نهب
فلتستمر المعركة..
لعن الإله سياسة قد سيّسوها
وساسة لحقوقنا قد ضيعوها
وثورة مضامينها قد أفرغوها
حتى الدماء وطهرها قد نجسوها
فلتستمر المعركة ..
في اعتصام الميدان على هامش معارك محمد محمود وجد
المشردون سكناً متساوياً مع غيرهم .. وأوجد بعض العاطلين أعمالاً مناسبة بدخول
عادلة .. حتى الأطفال الذين لم يتعلموا في المدارس النظامية وجدوا من يقيم لهم ورش
للرسم ويعلمهم مباديء القراءة والكتابة .. ويناقشهم في السياسة ويحترم آراءهم ..
وتذكر صاحبنا كيف كانت فرحة الأطفال المشردون بأستاذهم المعتصم المتطوع لتعليمهم
الرسم وقص الحكايات لهم حينما غاب عنهم فترة وعاد فركضوا ناحيته وحمل أحدهم حقيبته
وتهللت وجوههم بالبشر والسرور ..
في اعتصام الميدان على هامش محمد محمود فوجيء "ولاد
البلد"، المنعوتين بـ "السرسجية" والموصوفين بأن "أشكالهم غلط"،
فوجئوا بـ "ولاد الناس" يسألون عليهم، يبتسمون في وجوههم، يتفقدون احتياجاتهم،
يشاركونهم الطعام والغطاء بتساوٍ إنساني ورحمة، لا بتفضل أو صدقة أو شفقة، يتبادلون
معهم المهام، ينظفون الخيام والشارع معهم، يخدمونهم لو كانوا مصابين، يهتمون بعلاجهم
ودوائهم، فلا طبقية ولا استعلاء ولا تفاوت في الواجبات والحقوق إلا بقدر استعدادك البدني
وحالتك الصحية ..
في اعتصام الميدان على هامش معارك محمد محمود ظهرت
المعادن النقية لأناس كانوا يتهمون بالعزلة والرفاهية، وسقط في الاختبار كثير ممن
اشتهر بادّعاءات ثبت زيفها .. حصل صاحبنا على تصريح للصعود إلى مركز الحضارة
للدراسات السياسية في 13 ميدان التحرير لرفع مقاطع الفيديو التي كان يصورها من خط
النار والمستشفيات الميدانية، فكان مطلعاً على مقر إدارة إمدادات المستشفيات
الميدانية بالأدوية والمستلزمات الطبية .. رأى كيف يبذل ويعمل عشرات الشباب
المتصالحين مع ثقافة مجتمعهم وتاريخه، المتجاوزين للتصنيفات الأيديولوجية من أجل تغيير
حقيقي ثوري يحقق العيش والحرية العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ..
رأى صاحبنا شباب الإخوان وفتياتهم وبعض القيادات الوسيطة
الذين لم يلتزموا بالقرار الجبان لجماعتهم وانخرطوا في كافة أنشطة محمد محمود من
قتال وإسعاف وعلاج وإمدادات وإعاشة .. ورأى في عيون الثوار ألفة يحملون همّ
استمرارها .. الكل كان غاضباً وحزيناً ويريد للمجازر أن تنتهي، لكن شيئاً خفياً
كان يسري في النفوس يدعو الثوار لحب بعضهم البعض، وحرص بعضهم على بعض، ونظر أحدهم
في وجه الآخر وعينيْه جيداً خشية أن تكون المرة الأخيرة ..
(تسجيل فيديو مع حسن التهامي في اعتصام ميدان التحرير ما بين أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء)
في اعتصام الميدان على هامش معارك محمد محمود تفاوتت
تجهيزات الإعاشة ووصل بعضها للترف النسبي، لكنها جميعاً كانت تشترك في عدم الأثرة
أو الشح بها عن أي ثائر أو معتصم .. وكان بعض أقران الفتى حسن ومن هم في مثل سنه
ووضعه الاجتماعي محظوظين أكثر من غيرهم، حيث كانت خيامهم مجاورة لنقاط إعاشة مليئة
بالخيرات والأطعمة المرفهة .. ولعلها كانت أول مرة يتناولون فيها الزبادي في غير
رمضان، أو أول مرة في حياتهم يختبرون أنواعاً معينة من الجبن والعصائر ..
وكان بعض القائمين
على الإعاشة فتيات أو سيدات .. فكانوا يتدللون عليهن ربما كما لم يفعلوا من قبل مع
أمهاتهم أو أخواتهم الأكبر سناً .. "عايز جبنة كيري يا أبلة" ..
"عايز زبادي بالفواكه يا أبلة" ..